نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المملكة في طريقها لتوازن السوق العقاري, اليوم الجمعة 4 أبريل 2025 02:01 صباحاً
نشر بوساطة خالد رمضان في الرياض يوم 04 - 04 - 2025
قبل أيام قليلة، استقبل السعوديون أخباراً سارة للغاية، تبشر بانفراج أزمة ارتفاع أسعار العقار والإيجارات التي أثقلت كاهل المواطنين في الفترة الأخيرة، حيث أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عن الموافقة على عدد من الإجراءات التي سوف تسهم في تحقيق التوازن في القطاع العقاري، في مقدمتها رفع الإيقاف عن أراضي شمال مدينة الرياض، وتنظيم ارتفاعات السوق العقارية، ورصد ومراقبة الأسعار، واتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة لإصدار التعديلات المقترحة على نظام رسوم الأراضي البيضاء، مما يعكس حرص الحكومة على توفير حلول فعالة وسريعة للمواطن في مواجهة غلاء الأراضي والإيجارات، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وبما يتيح للأفراد والقطاع الخاص الحصول على خيارات مناسبة لاحتياجاتهم.
تؤكد هذه القرارات، التي تزامنت مع بهجة أيام العيد، الأولوية التي توليها القيادة الرشيدة لتوفير الحياة الكريمة للأسر السعودية، حيث سيتم توفير أراضٍ سكنية مخططة بعدد يتراوح بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنويًا خلال الخمس سنوات المقبلة، وبأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع، بالإضافة إلى توجيه الجهات المعنية بتطوير ومراقبة السوق العقاري، الأمر الذي يضمن توفير بيئة سكنية ملائمة للمواطنين، وبما يدعم قدرة قطاع الأعمال والقطاعات الأخرى على تحمل التكاليف العقارية، وهذا الأمر سيكون له مردود طيب على استقرار معدلات التضخم في السعودية، ولا ننسى أنه ضمن التوجيهات المهمة التي تمس حياة شريحة كبيرة من المواطنين، التوجيه بدراسة تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين للمساهمة في ضبط سوق الإيجارات السكنية والتجارية، وبالتالي، رفع جاذبية العيش والاستثمار في المملكة، والقدرة على تحمل التكاليف مما يدعم أهداف رؤية 2030 في توفير بيئة سكنية ميسرة ومستدامة.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز التجارب الدولية في مواجهة أزمة الإسكان، ومساعي الحكومات المختلفة لجعل أسعار المنازل في متناول الجميع، حيث يعد نقص السكن أزمة عالمية بامتياز، إذ تقل أعداد المنازل التي تُبنى عن معدل النمو السكاني، ولا تقتصر الأزمة على الدول النامية فقط، فمشكلة الإسكان في قلب الأزمات في معظم الدول المتقدمة، ويمكن رصد أسعار العقارات باهظة الثمن في كل أرجاء العالم تقريباً، ووفقاً للأمم المتحدة، فإن نحو 1.6 مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى السكن الملائم، وهذا العدد مرشح للارتفاع إلى 3 مليارات نسمة بحلول عام 2030، ومن أجل توفير السكن لهؤلاء الثلاثة مليارات، يحتاج العالم إلى بناء 96 ألف منزل جديد بأسعار معقولة كل يوم.
تنطبق مقولة ليو تولستوي، الروائي الروسي الأكثر شهرة في القرن التاسع عشر: "العائلات السعيدة متشابهة، وكل عائلة تعيسة بطريقتها الخاصة" على أزمة الإسكان العالمية، فكما أن لكل أسرة تعيسة طريقتها في التعامل مع مشكلة الإسكان، فإن كل دولة تتعامل مع مشكلة الإسكان بطريقتها الخاصة، وبعضها يُبلي بلاءً حسنًا، أما البعض الآخر فيتعثر، ولأننا نعلم أنه ليس كل ما نواجهه قابلاً للتغيير، إلا أن الحقيقة المجردة هي أنه لا شيء يتغير حتى نواجهه، بمعنى آخر، فإننا لن نعالج هذه أزمة الإسكان بشكل هادف إلا بمواجهتها بكل أبعادها، وبمجرد أن نفعل ذلك، سنرى أن بعض المنازل الصغيرة هنا، أو حفنة من وحدات الإسكان الداعمة هناك، والآن دعونا ننتقل إلى استعراض هذه التجارب الدولية.
الولايات المتحدة
تواجه العاصمة، واشنطن نقصًا حادًا في المساكن، حيث لا يزال هناك ما لا يقل عن 251.894 وحدة سكنية مفقودة، والفجوة في اتساع مستمر، حيث تظهر الأبحاث الحديثة أن العدد الفعلي للأشخاص الذين يعانون من التشرد في أميركا أعلى بستة أضعاف على الأقل من الرقم المُبلغ عنه، في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار المنازل في ولاية كولورادو ستة أضعاف خلال 30 عامًا، متجاوزةً كلاً من فلوريدا وكاليفورنيا، وذلك للسبب المعتاد، وهو أن الطلب أكبر من العرض.
مؤخراً، وقع حاكم كولورادو، جاريد بوليس، مشروع قانون يُلزم الحكومات المحلية بالتخطيط وتحديد مناطق لبناء المزيد من الشقق والوحدات السكنية بالقرب من محطات النقل، ووقع قانونًا آخر يسمح ببناء وحدات سكنية إضافية في المدن الكبرى، وجاءت هذه القوانين في أعقاب قوانين أخرى ألغت متطلبات الحد الأدنى لمواقف السيارات في الشقق، وستجعل هذه التغييرات أسعار المساكن أكثر يسرًا من خلال السماح للمطورين ببناء المزيد من المساكن الأكثر تنوعًا بتكلفة أقل، من جهة أخرى، هناك جدل حول تطبيق حدود قصوى للإيجارات.
وقد تتجه أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن إلى الانتهاء قريباً، إذا نجحت الخطة التي كشفت عنها إدارة ترمب مؤخراً في تحقيق هدفها، وشارك وزير الإسكان والتنمية الحضرية الأميركي سكوت تيرنر بفكرة تم صياغتها بشكل مشترك مع وزير الداخلية دوج بورجوم، والتي ستستغل إمكانات الأراضي الفيدرالية غير المستغلة بالكامل (500 مليون فدان)، وبشكل أكثر تحديدًا المساحات الشاسعة في ولايتي يوتا ونيفادا، لزيادة المعروض من المساكن بأسعار معقولة وتخفيف العبء الطويل الأمد على السوق، وسوف يقوم تيرنر وبورجوم بتحديد الأراضي من خلال قوة مهام مشتركة تم إنشاؤها حديثًا.
وبموجب هذه الاتفاقية، ستحدد وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، المناطق الأكثر إلحاحًا في احتياجات الإسكان، وستوجه العملية بالتعاون مع قادة الولايات والمسؤولين المحليين الذين يعرفون مجتمعاتهم جيدًا، أما وزارة الداخلية، فستحدد المواقع التي يمكن أن تدعم الإسكان، مع مراعاة التأثير البيئي وقيود استخدام الأراضي بعناية، إلا أن هذا لا يعني أن الأمور وردية تماماً، ففي ظل عمل وزارة الكفاءة لتوفير المزيد من الأموال، أوقفت إدارة ترمب برنامجًا بقيمة مليار دولار مخصصة لتمديد عمر المباني القديمة، مما يهدد المشروعات التي تبقي عشرات الآلاف من الوحدات صالحة للعيش للأميركيين من ذوي الدخل المنخفض، وقد منح البرنامج بالفعل الأموال لمشروعات من شأنها تطوير ما لا يقل عن 25 ألف وحدة سكنية بأسعار معقولة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ولا تزال التفاصيل المتعلقة بكيفية تصفية البرنامج غير واضحة.
مشردون بلا مسكن
تقدر الحكومة الفيدرالية عدد المشردين في الولايات المتحدة بأكثر من 770 ألف شخص، وهو رقم قياسي، ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 18 % عن عام 2023، وبينما يتزايد ارتفاع أسعار المساكن، تفاقمت مخيمات المشردين، وامتدت إلى حدائق المدينة، وازدحمت الأرصفة، ولوثت المجاري المائية الحساسة، على الرغم من الإنفاق العام غير المسبوق، وقد بدأت المدن والولايات، الليبرالية والمحافظة على حد سواء، باتخاذ إجراءات صارمة ضد تشرد الشوارع، وتركز جهودها على معالجة أزمة الصحة النفسية والإدمان، وينطبق هذا حتى على الولايات ذات التوجهات المحافظة مثل كاليفورنيا، حيث أطلق الحاكم غافن نيوسوم مبادرة "محكمة الرعاية" التي تُلزم بتوفير العلاج حتى في حال عدم توفر السكن دائمًا، وهدد بحجب التمويل عن المدن والمقاطعات التي لا تُخلي المخيمات بشكل صارم.
وتزايدت حملات مكافحة التشرد في الولايات المتحدة بشكل كبير منذ أن سهّلت المحكمة العليا الأميركية على المسؤولين المنتخبين وهيئات إنفاذ القانون تغريم واعتقال الأشخاص الذين يعيشون في العراء، ومنذ يونيو 2024، سُنّ ما يقرب من 150 قانونًا يفرض غرامات أو عقوبات بالسجن، منها نحو 45 قانونًا في كاليفورنيا وحدها، وتشير الأدلة إلى نجاح برنامج "الإسكان أولاً"، فقد خفض البرنامج التشرد بنسبة 88 %، مما أظهر تحسنًا ملحوظًا في الصحة، وقلل من تكاليف الرعاية في المستشفيات وغرف الطوارئ، ولا يقتصر برنامج "الإسكان أولاً" على إيداع شخص مشرد في شقة، بل يهدف إلى توفير سكن مستقر وإمكانية الحصول على الرعاية الصحية، وخدمات الصحة النفسية، وعلاج الإدمان، ودعم المجتمع، دون فرض ذلك عليهم.
الصين
في الوقت الذي تكافح فيه الحكومة الصينية لتخفيف أزمة العقارات، بدأ المطورون العقاريون المملوكون للدولة في شراء الأراضي، ففي أكتوبر 2023، بيعت قطعتا أرض في حي فنغتاي النابض بالحياة ببكين في مزاد علني بمبلغ إجمالي قدره 13 مليار يوان صيني (1.8 مليار دولار)، وهما من أعلى الأسعار في ذلك العام، وكان المطورون يخططون لبناء آلاف المنازل الجديدة، وطوال أزمة العقارات التي بدأت بتخلف شركة إيفرغراند عن سداد ديونها عام 2021، واصل المطورون شراء العقارات السكنية، لا سيما في العاصمة الصينية وغيرها من المدن الثرية، لكن المشترين تغيروا.
قبل الركود الاقتصادي، كانت غالبية مزادات العقارات السكنية في بكين تُقام على يد مجموعات خاصة أو مختلطة بين القطاعين العام والخاص، لكن منذ عام 2022، انعكس هذا التوجه، حيث فازت شركات التطوير العقاري المملوكة للدولة بنسبة 60 ٪ من العطاءات، وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، اشترت شركات مملوكة للدولة 130 موقعًا في بكين. تزامنت هذه المشتريات مع نمط تدخل أوسع نطاقًا، في إطار سعي الدولة لوقف أسوأ تراجع في سوق العقارات في تاريخها الحديث.
منذ أوائل عام 2023، توقفت الهيئة الوطنية للإحصاء في الصين عن الإبلاغ عن البيانات المتعلقة بمشتريات المطورين الإجمالية للأراضي، وذلك بعد أكثر من عام من تخلف شركة تشاينا إيفرجراند عن سداد ديونها مما أدى إلى تأجيج أزمة السيولة في القطاع، ولم يختف المطورون العقاريون من القطاع الخاص تمامًا، ولطالما كانت الشركات المملوكة للدولة والمرتبطة بها جزءًا لا يتجزأ من النظام العقاري الصيني، لكن التقديرات تشير إلى أن هذه الشركات، في سوق لا تزال تعاني من صعوبات، تضطلع بدور متزايد الأهمية.
في الصين، عادةً ما تُشترى العقارات الجديدة على الخريطة قبل اكتمالها، ويُباع المتر المربع بسعر 121 ألف يوان صيني (17 ألف دولار)، وهو سعر يُقارب أسعار مانهاتن، وكانت هذه الأسعار المرتفعة مصدر قلق كبير لصانعي السياسات منذ عام 2020 عندما حاولوا كبح جماح سوق العقارات، وفي ذلك العام، فرضت بكين قيودًا على اقتراض المطورين العقاريين بناءً على مقاييس الميزانية العمومية، في إطار سياسة تُعرف ب"الخطوط الحمراء الثلاثة"، ولأن العديد من المطورين العقاريين من القطاع الخاص اقترضوا مبالغ طائلة من الأسواق العالمية عبر هونغ كونغ، فقد ظهرت ضغوط التدفق النقدي اللاحقة في تخلفهم عن سداد سنداتهم الخارجية، ومع تفاقم أزمة السيولة، غرق السوق العقاري في البر الرئيسي بتأخيرات حادة في البناء ومشروعات إسكان غير مكتملة، ونتيجةً لذلك، تراجع دور المطورين العقاريين من القطاع الخاص في بيع المنازل الجديدة بشكل ملحوظ.
تاريخيًا، شكل المطورون العقاريون من القطاع الخاص ثلثي مبيعات المنازل الجديدة، ولكن بحلول نهاية عام 2024، انخفضت النسبة إلى نحو 30 %، ويعود ذلك جزئيًا إلى توقف شركة إيفرغراند عن نشر بيانات المبيعات، وتتدخل الدولة لملء بعض الفراغ الذي تركه المطورون من القطاع الخاص، وسيكون التحول نحو الدولة أكثر وضوحًا في سوق الأراضي، وتشجع الحكومة المطورين العقاريين على تقديم عطاءات أكبر وإنفاق المزيد في المدن الراقي، وهناك تزايد في عدد المنازل عالية الجودة، وهناك دلائل على وجود فائض منها، حيث يقدر بنك "جولدمان ساكس" أن مخزون المساكن غير المباعة في الصين يبلغ 30 تريليون يوان صيني، بما في ذلك الأراضي والشقق.
منذ أواخر عام 2024، أطلقت الحكومة الصينية حملة لتشجيع الحكومات المحلية على شراء الأراضي غير المُستغلة من المطورين، وليس من الواضح ما الذي تنوي هذه المدن فعله بالأراضي التي تستحوذ عليها، إلا أن هذه الخطوة "تتماشى مع سياسات حديثة تهدف إلى منح الدولة دورًا أكبر في أسواق الأراضي والعقارات، وتستهدف عمليات شراء الأراضي استقرار أسواق العقار، والبدء في بناء مشروعات إسكان جديدة بأسعار معقولة، حيث لا يشتري سوى عدد قليل جدًا من المطورين من القطاع الخاص الأراضي.
أستراليا
يعاني سوق الإسكان الأسترالي من ارتفاع الأسعار، وزيادة الضغوط الإيجارية، وانخفاض معدلات ملكية المنازل، وتزايد أعداد المشردين، وردًا على ذلك، أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، عن خطة استثمارية للإسكان بقيمة 33 مليار دولار كجزء من أحدث ميزانية لحكومته، وتتضمن الخطة الأسترالية الطموحة إجراءين رئيسين يهدفان إلى تعزيز المعروض من المساكن ومساعدة المشترين:
1- توسيع نطاق برنامج "المساعدة في الشراء" للمشترين لأول مرة، وذلك من خلال تقديم قروض بملكية مشتركة لمشتري المنازل لأول مرة، ليتمكنوا من شراء عقارات بدفعات أولى أقل، حيث تشتري الحكومة جزءًا من العقار لتخفيض مبلغ الرهن العقاري المطلوب للمشترين، وبموجب الشروط الأولية للمخطط، عرضت الكومنولث شراء 30 % من سعر المنازل القائمة، و40 % للمباني الجديدة، مع تقييد الأهلية للأسر ضمن نطاقات محددة من الدخل وقيمة الممتلكات.
رفعت حكومة أنتوني ألبانيز، سقف الحد الأقصى لتمكين المزيد من الأشخاص من الاستحقاق، وسيرتفع سقف دخل المشترين العزاب من 90 ألف دولار إلى 100 ألف دولار أميركي، بينما سيرتفع الحد الأقصى للدخل للأزواج والآباء والأمهات العزاب من 120 ألف دولار إلى 160 ألف دولار أميركي، وتعني هذه الحدود الأعلى أن أكثر من خمسة ملايين عقار أسترالي سوف تندرج ضمن نطاق المخطط، وهو ما يوسع بشكل كبير من خيارات المشترين.
2- الاستثمار في المنازل الجاهزة والوحدات النموذجية، وفي نوفمبر 2024، أعلنت الحكومة الأسترالية عن إنشاء صندوق إنتاجية بقيمة 900 مليون دولار لمكافأة الولايات والأقاليم التي تعمل على تعزيز المعروض من المساكن من خلال إزالة الحواجز أمام البناء الجاهز والوحدات النمطية، والآن، تُخصّص الحكومة ميزانية إضافية قدرها 54 مليون دولار أميركي للتصنيع المتطور لقطاع الإسكان الجاهز والوحدات السكنية المعيارية، ويشمل ذلك 5 ملايين دولار أميركي لإنشاء نظام وطني لإصدار الشهادات لتبسيط إجراءات الموافقات والقضاء على البيروقراطية.
ويهدف هذا الأمر إلى تسريع بناء المنازل من خلال تقنيات التصنيع خارج الموقع، والتي تنتج المكونات في المصانع قبل تجميعها في الموقع، ويرى وزير الصناعة والعلوم الأسترالي، إد هوسيك، أن هذه المنازل يمكن إنجازها في نصف الوقت الذي تستغرقه عمليات البناء التقليدية، من خلال توفير 30 % من الوقت، كما أن هذه المباني ستكون أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأكثر مرونة وأقل تكلفة.
هل يمكن لهذه الإجراءات أن تحل المشكلة؟
المشكلة الكبيرة هي أن أستراليا لم تتمكن من بناء ما يكفي من المنازل لتلبية احتياجات سكانها المتزايدين، وبحسب تقرير حالة الأراضي لعام 2025 الصادر عن معهد التنمية الحضرية في أستراليا، فإن الحكومة الفيدرالية تستهدف بناء 1.2 مليون منزل جديد بحلول عام 2029، ولكنها قد تفشل في بناء 400 ألف مسكن، وتشكل طرق البناء الجاهزة ما نسبته 8 % فقط من مشروعات الإسكان الجديدة في أستراليا، وتستخدم بعض الدول هذه التقنية أكثر من ذلك بكثير، إذ تفتخر السويد بأكثر من 100 عام من الخبرة في بناء المنازل الجاهزة، حيث يتم إنتاج أكثر من 80 % من المنازل في المصانع ثم تجميعها في وجهاتها، ويمكن وصف المساكن النموذجية بأنها خطوة واعدة للأمام، ولكن رغم أنها توفر تحسينات محتملة في السرعة وكفاءة التكلفة، إلا أنها لا تستطيع وحدها حل مشكلة العجز السكني الهائل دون إصلاحات هيكلية في السياسات في المستقبل القريب.
ماذا عن مخطط المساعدة في الشراء؟
تعالج قروض الشراء الحكومية جانبًا مختلفًا من مشكلة الإسكان لدى المشترين، ومع ذلك، فإن صناع السياسات يخشون من أن تؤدي برامج مثل هذه إلى رفع الأسعار بشكل غير مقصود من خلال تعزيز الطلب، وتسيطر الحكومة الفيدرالية بشكل رئيس على التمويل والبرامج رفيعة المستوى، وبالتالي فإن نجاح خطة الحكومة الأسترالية سيعتمد إلى حد كبير على التعاون مع الولايات والأقاليم.
بحلول مايو 2025، تُجرى انتخابات فيدرالية في أستراليا، وتعتبر أزمة تكاليف السكن والمعيشة قضايا رئيسية للناخبين، وسيكمن توسيع نطاق برنامج "المساعدة على الشراء" حزب العمال من استهداف المشترين لأول مرة للمنزل، وهو أمر قد يكون مهماً في الانتخابات، وتعتبر خطة الإسكان الجديدة جهد مرحب به لتغيير مجرى الأمور فيما يتعلق بقدرة الناس على تحمل تكاليف السكن، ومع ذلك، من غير المرجح أن يحصل المستأجرون والمشترون المحتملون على فوائد سريعة من هذه المبادرات الإسكانية، لأن الأمر يتطلب عملاً مستداماً وتعاوناً يتجاوز دورة الانتخابات المقبلة، وسوف يبدأ برنامج "المساعدة على الشراء" في وقت لاحق من عام 2025، وتتطلب التأثيرات الإيجابية للاستثمار في المساكن الجاهزة فترة من الزمن قبل أن تصبح الأمور واضحة.
نيوزيلندا
بدأت أسعار المنازل في نيوزيلندا بالارتفاع السريع منذ عام 1980، ومنذ ذلك الحين ارتفعت من ضعف متوسط الدخل إلى تسعة أضعاف، وهي زيادة أكبر من تلك المسجلة في أستراليا، وخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تجاوزت أسعار المنازل في نيوزيلندا أسعار المنازل في أستراليا، وقد أطلقت الحكومة برامج تمويلية بقيمة 3.8 مليارات دولار نيوزيلندي لتوفير المزيد من الأراضي لتطوير المساكن من خلال دعم البنية التحتية، وفعّلت قانون تمويل البنية التحتية لعام 2020 لمساعدة المطورين على جمع تمويل طويل الأجل للبنية التحتية لدعم المساكن الجديدة.
وفي محاولة لكبح الطلب على العقار، شددت الحكومة قيود نسبة القروض من البنوك، ورفع بنك الاحتياطي النيوزيلندي سعر الفائدة الرسمي لخفض التضخم، والحد من الاقتراض عالي الاستدانة، وعلاوة على ذلك، وُضعت قواعد جديدة لخصم الفوائد لتثبيط الاستثمار العقاري، ورُجعت تشريعات الاستثمار الأجنبي لتقييد شراء الأجانب للأراضي السكنية، باستثناء مواطني ومقيمين أستراليا وسنغافورة.
لكن، الأمر الأكثر إثارة للاهتمام في نيوزيلندا كان تجربة تقسيم المناطق في أوكلاند عام 2016، حيث أزال المجلس القيود في بعض المناطق، مما فتح المجال أمام مساكن ذات كثافة سكانية أعلى في الضواحي، وقد حقق البرنامج نجاحًا باهرًا، على الأقل من حيث المعروض السكني في تلك المناطق، وكان نجاحًا كبيرًا لدرجة أن حكومة حزب العمال قررت تطبيقه على مستوى البلاد بأكملها.
إسبانيا
تواجه إسبانيا أزمة متزايدة في القدرة على تحمل تكاليف السكن، وتشير تقديرات بنك إسبانيا إلى أن عجز المساكن سوف يصل إلى نحو 600 ألف وحدة بنهاية 2025، وفي خطوة جريئة تهدف إلى معالجة أزمة الإسكان المتفاقمة، فرضت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، في يناير الماضي، ضريبة بنسبة 100 % على العقارات السكنية التي يشتريها مواطنون من خارج الاتحاد الأوروبي غير المقيمين في إسبانيا، بالإضافة إلى زيادة الضرائب على الإيجارات قصيرة الأجل، وتكمن أهمية هذا الحل في أن المشترين الأجانب استحوذوا على أكثر من 27 ألف عقار خلال عام 2024 فقط، معظمها لأغراض استثمارية وليس للسكن، وتعمق هذه الممارسات الفجوة بين الملاك والمستأجرين، وعلى المستوى الأوروبي، لم تكن إسبانيا وحدها في مواجهة هذه التحديات، فقد واجهت دول مثل أيرلندا وهولندا أزمات إسكان مشابهة، مما دفعها إلى اعتماد سياسات مشابهة تهدف إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
اليابان
حققت اليابان نجاحًا ملحوظًا في توفير مساكن بأسعار معقولة، حتى في المدن الكبرى، وقبل ثلاثين عامًا، كانت العقارات في طوكيو الأغلى في العالم، ثم شهدت البلاد انهيارًا مدمرًا لا يزال صداه يتردد حتى اليوم، لكن دولًا أخرى لحقت بها وتجاوزتها، لذا فإن أسعار المساكن اليابانية معقولة نسبيًا، فبينما يزيد متوسط الإيجارات في سيدني على 3000 دولار أسترالي شهريًا، يبلغ في طوكيو نحو 2500 دولار، يبلغ متوسط سعر المسكن في سيدني 1.156 مليون دولار، بينما يبلغ في طوكيو 680 ألف دولار.
وهذا ليس نتيجة الإسكان الاجتماعي الذي بنته الحكومة، أو ما يُسمى "دانتشي"، إذ إن أقل من 5 % من المنازل في جميع أنحاء اليابان مؤجرة اجتماعيًا، بل ببساطة لأنهم يبنون عددًا أكبر بكثير من المنازل، والواقع أن المنازل أصغر حجماً بكثير، (94.85 متراً مربعاً في المتوسط مقابل 252 متراً مربعاً في أستراليا) وهذا يرجع جزئياً إلى أنهم يبنون عدداً أكبر كثيراً من الشقق المكونة من غرفة نوم واحدة للأفراد والأزواج الشباب.
ويعتمد نظام التخطيط العمراني في اليابان على تقسيم المناطق بشكل مبسط، والذي يعزز التطوير الشامل بدلاً من منح تصريح تخطيط لكل موقع على حدة، وهناك 12 منطقة، كل منها مُحددة بمستوى الإزعاج المسموح به، بدءًا من السكني وصولًا إلى الصناعي، وهذا يعني أنه يمكن بناء أي شيء تقريبًا، شريطة ألا يتجاوز مستوى الإزعاج في تلك المنطقة، وبالتالي، يمكن للعرض أن يستجيب بسرعة لتغير الطلب، كما يضمن أن يكون التطوير والكثافة السكانية مدفوعين بقيم الأراضي، أما إذا زاد الطلب، فيمكن هدم المنازل القديمة بسهولة لزيادة الكثافة، وهناك عامل آخر يعزز بناء منازل جديدة وهو الضرائب، فتقييم الأراضي والمباني مقابل ضرائب العقارات، أو المعدلات، المدفوعة للمجالس المحلية يتراجع بمرور الوقت، مما يزيد من حافز المجالس للموافقة على تصاريح بناء منازل جديدة.
النمسا
يدفع النمساويون ضريبة سكن تبلغ نحو 1 % من دخلهم، ويساهم أصحاب العمل فيها أيضًا، وتُوزع هذه الضريبة على المقاطعات النمساوية التسع، وهناك أنواع مختلفة من المساكن، إما مملوكة بالكامل لمدينة فيينا، وتُسمى "المباني المشتركة"، أو تُمول فيها حكومة المدينة شركات التطوير العقاري غير الربحية لبناء شقق بإيجارات محددة، وكلا النوعين متاح للأشخاص الذين تقلّ دخولهم عن مستوى دخل معين، فشقق "المباني المشتركة" لا تتطلب دفعة أولى، بينما تتطلب الشقق بإيجارات محددة أحيانًا دفعة أولى تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف يورو، تُرد عند مغادرة المستأجر.
وحاليًا، يتوفر نوعين من شقق الإيجار، هما شقق "جيميندباوتن"، وشقق مُراقبة الإيجار لمن يقل دخلهم السنوي الصافي عن 79.490 يورو، ولا يشعر النمساويين بالحرج في استئجار هذه الشقق، فحتى أصحاب الدخول الجيدة يعتبرونها فرصة لعيش حياة كريمة بإيجار معقول، ويبدو أن شقق "جيميندباوتن" وشقق مُراقبة الإيجار أفضل من المساكن الخاصة في بعض النواحي، بما في ذلك الملاعب والغرف المشتركة والحدائق العامة.
هولندا
تعاني هولندا، وتحديدًا أمستردام، أزمة سكن خانقة، حيث تجاوز متوسط سعر المسكن عشرة أضعاف الدخل، وبنهاية عام 2024، بلغ متوسط سعر المنزل الهولندي 452 ألف يورو، مقابل متوسط الراتب البالغ 44 ألف يورو، بينما تتراوح الإيجارات بين 1500 و3000 يورو شهريًا، أي ما يعادل تقريبًا الإيجارات في سيدني، وسبب هذه الأزمة العقارية، هو أن الحكومة الهولندية تعمل على تحفيز الطلب دون أن تفعل شيئًا حيال العرض، والسمات الرئيسة لأزمة السكن تكمن في ارتفاع أسعار المنازل، ونقص المساكن بأسعار معقولة، وتسلل المستثمرين الأجانب إلى السوق العقارية.
في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ألغت الحكومة الهولندية وزارة الإسكان والتخطيط، وحررت مبيعات أسهم شركات الإسكان، ونتيجةً لذلك، يمتلك المُستثمرون 25 % من المنازل في المدن الأربع الكبرى في البلاد، ومما زاد من ارتفاع الأسعار إجراءات مثل الإعفاء الضريبي على الرهن العقاري للمشترين، التي تهدف إلى مساعدة المُشترين الشباب، والتي انتهى بها الأمر بدلاً من ذلك إلى مساعدة المُلاك الحاليين على الاستثمار في المزيد من العقارات، وفي الوقت نفسه، جفت إعانات بناء المنازل تقريبًا.
وبينما ألقى سياسيون يمينيون، مثل خيرت فيلدرز، باللوم على المهاجرين وطالبي اللجوء في الأزمة، زار المقرر الخاص للأمم المتحدة، بالاكريشنان راجاجوبال، هولندا، وقال إن خيارات الحكومة الهولندية في السياسات هي المسؤولة عن أزمة السكن في البلاد، وليس طالبي اللجوء أو العمال المهاجرين، والآن تستهدف الحكومة بناء 900 ألف منزل جديد بحلول عام 2030، لكن البناء متأخر عن الجدول الزمني. كما سنت لوائح لجعل الإيجار أكثر أمانًا للمستأجرين، وتبحث في خيارات ضبط الإيجار.
وقدم برنامج حوافز بناء المساكن مليار يورو كمنح للبلديات لتشجيعها على بناء المزيد من المساكن، وتخطط الحكومة الجديدة للمضي قدمًا وتخصيص مليار يورو إضافي للبرنامج، وفي عام 2022، صدر قانون يحظر على مشتري المنازل التي تقل قيمتها عن قيمة معينة تأجيرها، بهدف زيادة المعروض من المساكن للمالكين، لكن هذا القانون قلل من عدد العقارات المؤجرة ورفع الإيجارات، وبشكل عام، ربما يكون من الإنصاف القول إن الهولنديين في حيرة من أمرهم، تمامًا مثل الأستراليين.
انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.
0 تعليق