تسارعت شركات التجزئة الروسية إلى افتتاح متاجر في المناطق المهملة اقتصادياً داخل البلاد، وتحديداً في المناطق الصناعية المتدهورة المعروفة محلياً بـ”الحزام الصدئ”، مستفيدين من تدفق أموال طائلة من المكافآت المالية التي يحصل عليها الجنود، إلى جانب طفرة في إنتاج المصانع المرتبط بتسليح الجيش.
سلاسل المتاجر والمطاعم والمراكز الرياضية باتت تنمو بسرعة في مناطق تُعد من الأكثر فقراً وتهميشاً، وهي ذاتها المناطق التي تعتمد عليها الحكومة الروسية كمصدر رئيسي لتجنيد الجنود المشاركين في غزو أوكرانيا.
ومع تحول الاقتصاد الروسي إلى اقتصاد حرب فعلي، بدأت الوظائف الجديدة والأجور المرتفعة تُغير ملامح هذه المدن الصغيرة، التي لطالما عانت من الفقر، حسب ما ذكرته صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية.
وقال جانيس كلوج، الباحث المختص بالشأن الروسي في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية، إن “الحرب أصبحت بطريقة ما وسيلة لإعادة توزيع الدخل، فهي تمنح المال لفئات كانت في الماضي بلا أفق، خصوصاً من لا يملكون تعليماً ويعيشون في المناطق المحرومة”.
ومع دخول حرب أوكرانيا عامها الرابع، باتت المصانع التي تعمل على تزويد الجيش بالمعدات والملابس مصدر دخل ثابت لسكان المدن الصناعية الفقيرة، كما يحصل المجندون، ومعظمهم من المناطق الطرفية، على مكافآت ضخمة عند التحاقهم بالجيش، وتُدفع لعائلاتهم تعويضات كبيرة في حال مصرعهم في المعارك.
هذا التحول الاقتصادي لم يغب عن أعين المستثمرين، إذ بدأت شركات التجزئة والترفيه في التوسع السريع، متحدية بذلك العقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا، وارتفاع أسعار الفائدة المحلية التي تهدف إلى خنق النشاط التجاري.
مجموعة “إكس 5 جروب”، المالكة لبعض أشهر سلاسل السوبرماركت في روسيا، أعلنت أنها بصدد التوسع في أقصى شرق البلاد، وهي منطقة شهدت انتعاشاً ملحوظاً مؤخراً بعد تحوّل خطوط التجارة نتيجة العقوبات الغربية، حيث أصبحت وجهة بديلة للشركات التي تبحث عن طرق تجارية جديدة.
وبحسب تحليل أجرته “فاينانشيال تايمز” لبيانات التوظيف المنشورة من قبل عدد من الشركات الروسية، فقد تضاعف تقريباً عدد الوظائف المعروضة في قطاعَي التجزئة والضيافة في منطقة خاباروفسك جنوب شرق روسيا خلال العام المنتهي في يناير 2025.
انخفضت نسبة البطالة في روسيا إلى 2.4% خلال شتاء 2024، مقارنة بنسبة 4.3% في نفس الفترة من عام 2021، وذلك بسبب تدفق الأموال الحكومية نحو إيجاد وظائف جديدة في مصانع الدفاع، إلى جانب منشآت صناعية تابعة تعمل على إنتاج الملابس والمواد الغذائية والوقود لصالح الجيش.
لكن تأثير هذا التحول لم يقتصر فقط على الصناعات المرتبطة بالحرب، فحتى القطاعات الأخرى التي لا علاقة لها بالجيش شهدت ارتفاعاً في الأجور، بفعل نقص العمالة، بعد أن تم تجنيد عدد كبير من الشباب أو فروا إلى الخارج هرباً من الخدمة العسكرية، ومع ذلك، فإن هذه الزيادات في الأجور تتآكل سريعاً بسبب التضخم المرتفع الذي لايزال يشكّل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد.
0 تعليق