يواصل المغرب تعزيز قدراته العسكرية بخطى ثابتة نحو هدفه في التحوّل إلى قوّة إقليمية كبرى في شمال إفريقيا وفاعل استراتيجي على ضفتي المتوسّط والأطلسي.
وفي خطوة لافتة، أصبح أول دولة في إفريقيا والشرق الأوسط تُنتج طائرات مسيّرة انتحارية، بفضل تعاون عسكري متقدّم مع إسرائيل.
أحدث ما دخل ترسانة القوات المسلحة الملكية هو الطائرة المسيّرة الانتحارية من نوع SpyX، التي طورتها شركة BlueBird Aero Systems الإسرائيلية التابعة لمجموعة الصناعات الجوية الإسرائيلية IAI، والتي خضعت لتجارب ميدانية ناجحة قبل أن يتم اعتمادها رسمياً من طرف الجيش المغربي سنة 2024.
تمتاز الـSpyX بأنها مسيّرة كهربائية صغيرة الحجم، مصمّمة لتنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بدقة متناهية، إذ يمكنها التحليق لمدة 90 دقيقة وبمدى يصل إلى 50 كلم، كما أنها تحمل شحنة متفجرة تزن 2.5 كلغ، يتم تكييفها حسب نوع الهدف: أفراد، مركبات أو حتى عربات مدرعة.
الأخطر في هذه المسيّرة هو قدرتها على الانقضاض بسرعة تتجاوز 250 كلم/ساعة نحو الهدف، بمعدل خطأ لا يتجاوز المتر الواحد، ما يجعلها أداة هجوم "جراحية" بأقل خسائر جانبية ممكنة.
الميزة العملية للطائرة أنها قابلة للنقل والتشغيل بواسطة جنديين فقط، ما يمنحها مرونة كبيرة في الميدان، وتُدار عن بعد مع إمكانية تعديل أو إلغاء المهمة حتى آخر لحظة قبل تنفيذ الضربة.
وبينما تعمل الـSpyX ضمن شبكة متكاملة من الطائرات المسيّرة، فإن المغرب يملك أيضًا نماذج أخرى مثل WanderB-VTOL وThunderB-VTOL، التي تُستخدم في مهام الاستطلاع وتحديد الأهداف بالتنسيق مع الطائرات الانتحارية، مما يرفع من فعالية الضربات ودقّتها.
هذه التطورات تأتي في سياق اتفاقيات تعاون عسكري موسّعة بين المغرب وإسرائيل، بدأت بتوقيع اتفاق دفاع مشترك سنة 2021، وتوالت بعدها صفقات شملت أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، أقمارًا صناعية تجسسية، وتكنولوجيا الحرب الإلكترونية.
وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فإن المغرب يمثّل حاليًا 11% من صادرات السلاح الإسرائيلي، ومن أبرز الصفقات التي أثارت الانتباه، اقتناء 150 طائرة بدون طيار من طراز WanderB وThunderB سنة 2022، إلى جانب عقد بـ70 مليون دولار مع شركة Elbit Systems لتوريد أنظمة استخبارات إلكترونية.
كما توجد خطط مستقبلية لإنشاء مصانع مغربية لإنتاج تكنولوجيا عسكرية إسرائيلية، من المرجّح أن تُقام في مدينة الدار البيضاء.
تعزيز الترسانة المغربية بمسيّرات انتحارية عالية الدقّة يثير مخاوف إقليمية، خاصة من طرف إسبانيا، نظرًا للقرب الجغرافي وإمكانية استخدام هذه الطائرات عبر مضيق جبل طارق في مهام استباقية أو استعراضية.
في المقابل، يُنظر لهذا التطور على أنه نقلة نوعية في الاستراتيجية العسكرية المغربية، من الاعتماد على التسلّح التقليدي إلى التحوّل إلى "حرب ذكية" تدار عن بُعد وبدقة عالية، وهو ما قد يُعيد رسم ملامح التوازنات العسكرية في منطقة شمال إفريقيا.
ورغم استمرار التنسيق العسكري بين الرباط وتل أبيب، فإن هذا التعاون لا يخلو من انتقادات شعبية، خاصة في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ما أثار غضبًا واسعًا في الشارع المغربي ودعوات متكررة لوقف العلاقات مع إسرائيل.
ومع ذلك، تحافظ السلطات المغربية على نهج مزدوج، يتمثل في استمرار التعاون الأمني والدفاعي، مقابل تقديم دعم إنساني للفلسطينيين، في محاولة لموازنة المصالح الاستراتيجية مع الحساسية الشعبية للملف الفلسطيني.
0 تعليق