في عالم الإعلام المعاصر، أصبحت نسب المشاهدة أداة حاسمة لتحديد نجاح البرامج والمسلسلات وتوجيه الإعلانات. لكن في المغرب، يبدو أن هذه الأرقام التي تعلنها القنوات التلفزية تُبنى على أسس هشة وغير موضوعية، مما يثير أسئلة جدية حول مصداقيتها، ومن خلال اعتمادها على أجهزة قياس تقليدية توضع لدى عدد محدود من الأسر المغربية، تدعي الشركات المكلفة بمراقبة نسب المشاهدة أنها تقدم صورة دقيقة عن تفاعل المغاربة مع المحتوى الإعلامي. لكن الحقيقة تختلف تمامًا؛ فهذه الأجهزة تعمل وفق نظام يفتقر إلى التمثيلية العادلة للتنوع المجتمعي والثقافي في البلاد.
وفقًا لتقارير صادرة عن مؤسسة “ماروك ميتري” المسؤولة عن قياس نسب المشاهدة في المغرب، يصل عدد الأسر المغربية التي تعتمد عليها الشركة في دراستها إلى حوالي 1000 أسرة مجهزة بأجهزة القياس، وهو ما يمثل عينة صغيرة جدًا مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز 36 مليون نسمة. هذا الرقم لا يمثل سوى 0.006% من إجمالي الأسر المغربية، مما يعتبر غير كافٍ لقياس عادات المشاهدة بدقة. ورغم أن هذه الأرقام تقدم على أنها دقيقة، إلا أنها تستثني شريحة واسعة من الجمهور، خصوصًا في المناطق القروية وفي أوساط الشباب.
تستهلك نسبة متزايدة من الجمهور المغربي المحتوى عبر الإنترنت، خاصة اليوتيوب وفيسبوك ونتفليكس، مما يشير إلى تحول كبير في عادات المشاهدة. وتشير تقارير إعلامية إلى أن حوالي 60% من الشباب المغربي يفضلون متابعة المحتويات على المنصات الرقمية بدلًا من التلفاز التقليدي، وهو مؤشر واضح على تغير العادات الاستهلاكية للإعلام ،ووفقًا لدراسة أجرتها منصة “Statcounter” عام 2023، فإن نسبة المغاربة الذين يشاهدون الفيديوهات على يوتيوب بشكل يومي تفوق 70%، مما يجعل من الصعب الاعتماد على نسب المشاهدة التلفزية التقليدية كمعيار دقيق. كما أشار تقرير صادر عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن حوالي 75% من الأسر المغربية تمتلك هواتف ذكية وتتصل بالإنترنت، مما يضعف بشكل كبير مصداقية القياسات التي تعتمد على أجهزة التلفاز التقليدية فقط.
في استطلاع للرأي أجري على عينة من 5000 شخص من مختلف المدن المغربية سنة 2023، أكد 68% منهم أنهم يفضلون متابعة المحتويات الترفيهية والإخبارية على الإنترنت بدلاً من القنوات التلفزية التقليدية. هذه الأرقام تكشف عن تحول جذري في العادات الاستهلاكية للإعلام لا يمكن تجاهله عند تقييم نسب المشاهدة، مقارنة بأرقام مشاهدات اليوتيوب، تبين أن بعض البرامج التلفزية التي تزعم نسب مشاهدة مرتفعة لا تحقق حتى نصف هذه الأرقام على المنصات الرقمية، مما يثير التساؤل حول مصداقية الأرقام المعلنة.
بحث صدر سنة 2024، أشار إلى أن مؤسسة “ماروك ميتري” لا تأخذ بعين الاعتبار الفئات العمرية الشابة بشكل دقيق، حيث أن حوالي 65% من الجمهور المستهدف يتكون من فئات عمرية تفوق 35 سنة، مما يجعل القياسات غير ممثلة للجمهور الشاب الذي يستهلك المحتوى الرقمي بكثافة.
إضافة إلى ذلك، أكدت دراسات حديثة أن نسبة المشاهدات على منصات مثل نتفليكس ويوتيوب في المغرب تجاوزت نسبة مشاهدة القنوات التلفزية التقليدية، خاصة في أوساط الشباب ما بين 18 و34 سنة، حيث أشارت إحصائيات لسنة 2024 إلى أن 78% من هذه الفئة تفضل استهلاك المحتوى عبر الإنترنت.
ووفقا لتقرير صدر مع نهاية فبراير 2024 عن شركة Imeprium ، هناك زيادة بنسبة 26.8% في الاستثمارات الإعلانية في شاشات العرض الرقمية و 11.1% في الصحافة الإلكترونية. ومن ناحية أخرى، سجل التلفزيون مرة أخرى انخفاضًا بنسبة -8.4% ومن حيث الحصة السوقية، يظل التلفزيون هو الخاسر الأكبر، بانخفاض قدره 6.2%.ومن جانبها، ارتفعت نسبة العرض بنسبة 4.7% مقارنة بشهر فبراير 2023. و يتصدر قطاع الاتصالات، صدارة القطاعات التي تقبل على الاعلانات، تليها قطاعات الثقافة والترفيه، و الأغذية، و التأمين.
مجموعة من المتخصصين في الإعلام بالمغرب طالبوا بإعادة النظر في طرق قياس نسب المشاهدة الحالية واعتماد تقنيات أكثر دقة وشمولية، مثل تحليل البيانات الضخمة “Big Data” والذكاء الاصطناعي لتقديم قراءات موضوعية ودقيقة.
علاوة على ذلك، فإن عملية جمع البيانات نفسها تفتقر للشفافية. فلا يتم الكشف بشكل واضح عن كيفية اختيار الأسر المشاركة، ولا عن معايير التحليل المستخدمة. هذا الغموض يسمح بتضخيم الأرقام لخدمة مصالح محددة، سواء كانت تجارية أو سياسية. ثم إن غياب هيئة مستقلة تتولى مراقبة عملية القياس يجعل النتائج قابلة للتلاعب، مما يضرب بمصداقية الأرقام التي يتم الإعلان عنها.
إن الاستمرار في الاعتماد على نسب المشاهدة التقليدية بمثابة تعامي عن واقع جديد يتطلب أدوات قياس أكثر تقدمًا وشمولية. فهل نحن أمام محاولة واعية لتضليل الجمهور، أم مجرد فشل في مواكبة التطورات الرقمية المتسارعة؟ يبقى السؤال مفتوحًا، لكن المؤكد أن الثقة في الأرقام الحالية آخذة في التآكل بشكل متزايد.
0 تعليق