كيف تساهم تقنية “التوأم الرقمي” في تسريع عملية تطوير الأدوية؟

البوابة العربية للأخبار التقنية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

يشهد مجال الطب تحولًا جذريًا بفضل التقدم الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ تبرز تقنية (التوأم الرقمي) Digital Twin، كأداة واعدة لإحداث ثورة في الأبحاث والعلاجات الطبية، فهذه التقنية توفر نسخًا افتراضية دقيقة للأعضاء البشرية، تتيح للباحثين والمطورين اختبار الأجهزة والعلاجات الطبية في بيئة آمنة وفعالة، مما يقلل من المخاطر والتكاليف المرتبطة بالتجارب السريرية التقليدية.

التوأم الرقمي للقلب ثورة في اختبار الأجهزة الطبية القابلة للزرع:

تهدف شركة (أدسيليكو) AdSilico، الناشئة المتخصصة في تطوير تقنية (التوأم الرقمي) المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتطبيقات الرعاية الصحية، إلى إحداث ثورة في تطوير الأجهزة الطبية واختبار الأدوية من خلال إنشاء نماذج افتراضية دقيقة لجسم الإنسان.

وقد طورت هذه الشركة نموذجًا رقميًا متطورًا للقلب أو ما يُعرف باسم (التوأم الرقمي)، ليحاكي في حركته ووظائفه العضو البشري الحي، ويستخدم هذا التوأم الرقمي في اختبار أجهزة القلب والأوعية الدموية القابلة للزرع، مثل: الدعامات والصمامات الاصطناعية، قبل استخدامها على المرضى الحقيقيين، وتهدف هذه الاختبارات إلى ضمان سلامة وفعالية هذه الأجهزة، مما يمهد الطريق لتطبيقاتها السريرية.

ومع ذلك؛ لم تكتفِ شركة (أدسيليكو) بإنشاء نموذج رقمي واحد، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، فباستخدام قوة الذكاء الاصطناعي وتحليل كميات ضخمة من البيانات، تمكنت الشركة من توليد مجموعة متنوعة من القلوب الرقمية، كل منها يحمل خصائص فريدة.

وتتميز هذه القلوب الرقمية بقدرتها على محاكاة السمات البيولوجية المختلفة، مثل: الوزن والعمر والجنس وضغط الدم، بالإضافة إلى الحالات الصحية والخلفيات العرقية المتنوعة، ونظرًا إلى أن البيانات السريرية غالبًا ما تفتقر إلى التمثيل الكافي لهذه الاختلافات، فإن هذه التوائم الرقمية للقلوب تقدم فرصة ذهبية للشركات المصنعة للأجهزة الطبية لإجراء تجارب على مجموعات سكانية أكثر تنوعًا، مما يعزز من دقة وشمولية نتائج الاختبارات.

وتتيح التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إجراء تجارب لا يمكن إجراؤها على البشر، وحتى على نماذج رقمية تقليدية تفتقر إلى التنوع الذي يوفره الذكاء الاصطناعي، ويضمن هذا التنوع أن الأجهزة والعلاجات الطبية ستكون آمنة وفعالة لجميع المرضى، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو حالاتهم الصحية.

وتؤكد شينا ماكفيرسون، الرئيسة التنفيذية لشركة (أدسيليكو)، أهمية هذه التقنية، قائلة: “تتيح لنا تقنية التوأم الرقمي تمثيل التنوع الكامل لتشريح المرضى واستجاباتهم الفسيولوجية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه باستخدام الأساليب التقليدية، كما يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في اختبار الأجهزة الطبية إلى تطوير أجهزة أكثر شمولية وأمانًا، فمن خلال إنشاء نماذج افتراضية واقعية لأجسام المرضى، يمكن للباحثين اختبار الأجهزة في بيئة تحاكي جسم الإنسان بدقة، مما يسمح لهم بتحديد المشكلات المحتملة وتعديل التصميمات قبل استخدامها على المرضى”.

ما الفوائد التي تقدمها تقنية (التوأم الرقمي) في تطوير الأجهزة الطبية؟

في ظل التحديات التي تواجه قطاع الأجهزة الطبية، تبرز تقنية (التوأم الرقمي) كحل واعد لتقليل الوفيات والإصابات الناجمة عن هذه الأجهزة، فقد أظهر تحقيق أجراه الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين في عام 2018، أن الأجهزة الطبية تسببت في وفاة ما وصل 83,000 شخص وإصابة أكثر من 1.7 مليون آخرين.

وتأمل ماكفيرسون أن تساهم التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تقليص هذه الأرقام المروعة، وتوضح الأمر قائلة: “لجعل الأجهزة الطبية أكثر أمانًا، يجب  إجراء اختبارات دقيقة وشاملة، وهو أمر غير عملي في بيئة التجارب السريرية بسبب التكاليف الباهظة، لذلك، نسعى إلى استخدام النماذج الرقمية المولدة بالحاسوب، لضمان اختبار الأجهزة بأقصى قدر ممكن من الدقة قبل تجربتها على البشر”.

وأضافت: “كان يمكن تجنب جزءًا كبيرًا من حالات الوفاة والدعاوى القضائية المرتبطة بالأجهزة الطبية من خلال إجراء اختبارات أكثر شمولًا، كما أن النماذج الرقمية توفر نتائج أكثر تفصيلًا وعمقًا، إذ يمكننا استخدام النموذج الرقمي للقلب وإجراء اختبارات تحت ظروف مختلفة، مثل: انخفاض ضغط الدم أو ارتفاعه، أو في ظل تطورات مرضية متنوعة، لتقييم تأثير هذه الظروف في أداء الجهاز”.

وتؤكد ماكفيرسون أن هذه التقنية توفر للشركات المصنعة للأجهزة الطبية رؤى أكثر شمولًا وتفصيلًا، كما أنها تتيح إجراء الاختبارات على مجموعات فرعية متنوعة من المرضى، وليس فقط على الرجال البيض الذين كانت التجارب السريرية تعتمد عليهم تقليديًا، مما يمثل خطوة مهمة نحو تطوير أجهزة طبية أكثر أمانًا وفعالية.

فوائد التوائم الرقمية:

  • تقليل المخاطر على المرضى: تتيح التوائم الرقمية اختبار الأجهزة في بيئة افتراضية تحاكي جسم الإنسان، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بتجربتها على المرضى مباشرةً.
  • نتائج أكثر تفصيلًا: يمكن إجراء اختبارات متنوعة على التوأم الرقمي، مثل: اختبار تأثير ضغط الدم المرتفع أو المنخفض، أو تطورات مرضية مختلفة، في أداء الجهاز.
  • اختبارات أكثر شمولية: يمكن اختبار الأجهزة على مجموعات فرعية مختلفة من المرضى، بما يشمل: النساء والأقليات، الذين غالبًا ما يجري استبعادهم من التجارب السريرية التقليدية.
  • تقليل الدعاوى القضائية: يمكن تجنب جزء كبير من الدعاوى القضائية المرتبطة بالوفيات والإصابات الناجمة عن الأجهزة الطبية، من خلال إجراء اختبارات أكثر شمولية.

كيف تُطور هذه القلوب الرقمية؟

تعتمد شركة (أدسيليكو) في تطوير نماذجها المبتكرة للقلب الرقمي على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها على مزيج فريد من البيانات، يشمل: بيانات القلب والأوعية الدموية، وصور الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية الحقيقية، التي حصلت عليها من مرضى متطوعين بعد الحصول على موافقتهم.

وتهدف هذه البيانات إلى تزويد النماذج بمعلومات تفصيلية حول هياكل التشريح القلبي، مما يمكنها من إنشاء تمثيلات رقمية دقيقة لكيفية تفاعل الأجهزة الطبية مع تشريح المرضى المختلفين، وتتضمن عملية الاختبار التي تتبعها أدسيليكو إنشاء (توأم رقمي) للجهاز الطبي المراد اختباره، ثم إدخال هذا التوأم الرقمي في نموذج القلب الافتراضي، ضمن بيئة محاكاة متطورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.

وتُنفذ هذه الاختبارات بالكامل داخل بيئة حاسوبية متقدمة، مما يتيح تكرار الاختبارات على آلاف نماذج القلوب الرقمية الأخرى، التي تمثل جميعها نسخًا محاكاة بالذكاء الاصطناعي لقلوب بشرية حقيقية، ويمثل ذلك تحولًا كبيرًا عن التجارب البشرية والحيوانية التقليدية، التي عادةً ما تقتصر على مئات المشاركين فقط.

تقليل المخاطر والتكاليف:

يتمثل الحافز الأكبر الذي يدفع شركات الأدوية والأجهزة الطبية إلى تبني نماذج التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كبديل مكمل للتجارب السريرية التقليدية، في قدرة هذه النماذج على تقليل الوقت اللازم لإجراء التجارب، مما يترجم إلى وفورات كبيرة في التكاليف.

فعلى سبيل المثال، تتوقع شركة (سانوفي) Sanofi للأدوية أن تتمكن من تقليل مدة الاختبار بنسبة تصل إلى 20%، مع تحقيق زيادة في معدل النجاح أيضًا، وتطبق سانوفي تقنية التوأم الرقمي في مجالات تخصصها، التي تشمل علم المناعة والأورام والأمراض النادرة.

وتعتمد شركة (سانوفي) على بيانات بيولوجية من أشخاص حقيقيين لإنشاء نماذج رقمية لمحاكاة المرضى، وهي ليست نسخًا طبق الأصل لأفراد محددين، بل تمثيلات رقمية يمكن توزيعها على مجموعات التحكم والعلاج الوهمي ضمن التجربة.

وبالإضافة إلى ذلك، تنشئ أنظمة الذكاء الاصطناعي في شركة سانوفي نماذج مولدة بالحاسوب للأدوية المراد اختبارها، وتوليف خصائصها، مثل: كيفية امتصاص الجسم للدواء، مما يتيح اختبارها على نماذج المرضى الرقمية، ويتنبأ البرنامج أيضًا بردود أفعال هذه النماذج، مما يحاكي عملية التجربة السريرية الحقيقية.

وأشار مات تروبو، الرئيس العالمي لمنصات البحث والتطوير الحاسوبي في شركة سانوفي، إلى التحديات الكبيرة التي تواجه صناعة الأدوية، إذ يبلغ معدل فشل الأدوية الجديدة خلال مراحل التطوير السريري 90% على مستوى الصناعة، ويعني ذلك أن الشركات تنفق مبالغ طائلة على التجارب السريرية، التي غالبًا ما تنتهي بنتائج سلبية.

ويرى مات تروبو، أن تقنيات مثل: التوائم الرقمية يمكن أن تحدث ثورة في هذا القطاع، وأوضح أن تحقيق زيادة بنسبة تبلغ 10% فقط في معدل نجاح الأدوية باستخدام هذه التقنيات، يمكن أن يؤدي إلى توفير 100 مليون دولار، وذلك نظرًا إلى التكاليف الباهظة التي تتكبدها الشركات في إجراء التجارب السريرية في المراحل المتأخرة.

وأكد تروبو، أن النتائج الأولية لاستخدام التوائم الرقمية في سانوفي تبدو واعدة للغاية، ومع ذلك، شدد على أن هناك الكثير من العمل الذي لا يزال يتعين القيام به، خاصةً في مجال الأمراض المعقدة.

ويعتقد تروبو أن الذكاء الاصطناعي سيكون له دورًا حيويًا في تطوير الجيل القادم من التوائم الرقمية، إذ أكد أن تزويد الجيل القادم من التوائم الرقمية بنماذج ذكاء اصطناعي دقيقة للبيولوجيا البشرية المعقدة يمثل الحدود التالية في هذا المجال.

تقنية التوأم الرقمي بين الفرص الكبيرة والتحديات:

يحذر تشارلي باترسون، الشريك المنتدب في شركة (PA Consulting) والمدير السابق في هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، من أن التوائم الرقمية قد تحمل نقاط ضعف، مشيرًا إلى أن جودتها تعتمد بنحو كبير على جودة البيانات التي تُدرب عليها. ويخشى من أن استخدام طرق جمع البيانات القديمة، والتمثيل المنخفض للسكان المهمشين، قد يؤدي إلى استمرار إدخال التحيزات في النماذج الافتراضية للأفراد.

وتدرك شركة سانوفي هذا التحدي المتمثل في الاعتماد على بيانات قديمة ومحدودة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وتسعى جاهدة إلى التغلب عليه. ولتوسيع نطاق مجموعات البيانات الداخلية الخاصة بها، التي تتضمن ملايين نقاط البيانات من آلاف المرضى المشاركين في تجاربها كل عام، تستعين الشركة ببيانات من مصادر خارجية، مثل: السجلات الصحية الإلكترونية والبنوك الحيوية.

وبالعودة إلى شركة أدسيليكو، تأمل شينا ماكفيرسون في أن تساهم تقنية التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في القضاء على الحاجة إلى استخدام الحيوانات في التجارب السريرية، التي لا تزال تُعدّ جزءًا أساسيًا من عملية اختبار الأدوية والأجهزة الطبية.

وتؤكد أن النماذج الافتراضية للقلوب البشرية أقرب إلى القلب البشري الحقيقي من قلوب الحيوانات مثل الكلاب والأبقار والأغنام والخنازير، التي غالبًا ما تستخدم في دراسات الأجهزة القابلة للزرع.

مستقبل واعد:

مع استمرار التقدم المذهل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار نحو مستقبل واعد للتوائم الرقمية، إذ يتوقع الخبراء تطورًا ملحوظًا في دقة هذه النماذج الافتراضية وتعقيدها، فمن المتوقع أن تصبح التوائم الرقمية قادرة على محاكاة وظائف أعضاء بشرية أكثر تعقيدًا، مثل: الدماغ والكبد والكلى، مما يفتح آفاقًا جديدة في فهم الأمراض وعلاجها، ويساهم بشكل كبير في تحسين صحة الإنسان ورفاهيته.

 فمن خلال استخدام هذه التقنيات المتقدمة، سيتمكن العلماء والأطباء من تطوير علاجات أكثر فعالية وتخصيصها لتلبية احتياجات كل مريض على حدة، مما يؤدي إلى نتائج أفضل للمرضى وتحسين جودة حياتهم.

نسخ الرابط تم نسخ الرابط

أخبار ذات صلة

0 تعليق