بروكسل -أ ف ب
تهز الهجمات الأمريكية الشديدة اللهجة على دول الحلف الأطلسي الأوروبية، أسس الناتو ولو أنه يجد صعوبة قصوى في تصور مستقبل له بدون الولايات المتحدة.
وتحت الضربات المتتالية من الرئيس دونالد ترامب وإدارته، يدرك الحلف الأطلسي الذي يعود تأسيسه إلى أكثر من 75 عاماً، أنه يتحتم عليه إحداث تغيير سريع في بنيته وقال دبلوماسي طلب عدم كشف اسمه: إن عدائية الإدارة الأمريكية الجديدة تشكل «صدمة» للحلف.
لكن هل يحصل التغيير المطلوب مع الولايات المتحدة أو بدونها؟ هذا هو السؤال المقلق الذي يتردد في أروقة الحلف في بروكسل.
ولخص دبلوماسي آخر طلب عدم كشف هويته أيضاً لحساسية الموضوع، بالقول: «نعرف الوجهة: حيز أصغر للولايات المتحدة، وحيز أكبر لأوروبا».
غير أن أسئلة عديدة تبقى عالقة.
ويهاجم ترامب منذ شهرين كندا التي دعا إلى ضمها لتصبح الولاية الأمريكية الواحدة والخمسين، والدنمارك التي يطالب بالسيطرة على منطقة شاسعة تابعة لها هي غرينلاند.
ولم يخف العديد من المسؤولين الأمريكيين وفي طليعتهم نائب الرئيس جاي دي فانس ازدراءهم للأوروبيين الذين يصفونهم بأنهم «استغلاليون»، ويتهمونهم بعدم دفع المساهمات المستحقة عليهم في الحلف.
وقال دبلوماسي: إنه منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، «يتراجع التفاؤل»، مضيفاً: «إن الولايات المتحدة لم تتخذ بعد قرارات عملية، لكن يبدو أن كل يوم يحمل ضربة جديدة لأسس الحلف».
- انتقال «فوضوي»
وعرض كاميل غران، المساعد السابق للأمين العام للحلف والباحث في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، ثلاثة سيناريوهات محتملة.
ذكر أولاً سيناريو الانتقال المنتظم، حيث يتخلى الأمريكيون عن التزامهم، إثر مفاوضات تعطي الأوروبيين مهلة من الوقت للاستعداد لذلك، موضحاً أن «هذا يسمح بتفادي انعدام اليقين».
وهناك ثانياً سيناريو الانتقال «الفوضوي»، حيث تبقي الولايات المتحدة على عضويتها في الحلف ولا سيما في ما يتعلق بالردع النووي، غير أنها تتخلى عن التزاماتها بالنسبة للقوات التقليدية وهو ما تحدث عنه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث.
وفي هذه الحالة، رأى المحلل أن الانسحاب سيجري «وفق نمط أزمة» مع ورود «تهديدات وإعلانات فوضوية»، مشيراً إلى أن «هذا هو السيناريو المهيمن» اليوم.
وهناك أخيراً سيناريو يشكّل كابوساً للعديد من الحلفاء الأوروبيين ولا سيما دول أوروبا الوسطى والشرقية، وهو انسحاب «بحكم الواقع، أو بحسب القانون»، حيث لا تنسحب الولايات المتحدة رسمياً بالضرورة، لكنها «لا تعود مهتمة» بالدفاع عن القارة.
وبعدما هدد ترامب مراراً الأوروبيين الذين لا يرصدون نفقات عسكرية مناسبة، بات يطالب الدول الأوروبية كما كندا بتخصيص ما لا يقل عن 5% من ناتجها المحلي الإجمالي للنفقات الدفاعية في إطار الحلف.
وتمثل هذه النسبة عتبة عالية جداً لبعض الدول مثل إيطاليا وإسبانيا، التي لا يصل إنفاقها العسكري حالياً إلى نسبة 2%، غير أن الجميع يدرك أنه يتحتم عليهم إعلان تدابير خلال قمة الحلف الأطلسي المقرر عقدها في يونيو/حزيران المقبل في لاهاي، بحسب ما أوضح دبلوماسي.
وكشف دبلوماسي آخر، أن الأمين العام للحلف مارك روته ذكر أمام الحلفاء نسبة تتراوح بين 3.5 و3.7%، مضيفاً: إن هذا سيكون أمراً صعباً لكنها «مسألة أولويات» في الإنفاق الوطني.
وفي مطلق الأحوال، لا أحد واثق حتى الآن من أن هذا الرقم سيكون كافياً لترامب.
- «خمس سنوات»
في هذه الأثناء، يتساءل العديدون في بروكسل والعواصم الأوروبية عن معالم «ما بعد» الولايات المتحدة.
وقال جايمي شيه المتحدث السابق باسم الحلف: «لطالما علمنا أنه سيأتي وقت تنسحب فيه أمريكا بطريقة ما وتضطر أوروبا إلى بذل المزيد».
وحذر كاميل غران من أن المهلة الزمنية ضيقة جداً، إذ أمام الأوروبيين «خمس سنوات» لتشكيل قوة رادعة بوجه التهديد الروسي، موضحاً أن تقديراته تستند إلى المهلة التي تحتاج إليها روسيا بحسب عدد من أجهزة الاستخبارات لإعادة بناء جيشها واكتساب قدرة على تهديد دولة من أعضاء الحلف الأطلسي.
وبحسب الخبير، فإن الأوروبيين قادرون على تحقيق ذلك، حتى لو أنه سيتحتم عليهم القيام باستثمار ضخم للتعويض عن المساهمة الأمريكية على صعيد الاستخبارات والأقمار الصناعية واللوجستية.
وقال: «ليس هناك ما يحول دون أن يكون بمقدور 500 مليون أوروبي ردع 140 مليون روسي».
غير أن بلدان عدة تشك في ذلك وقال دبلوماسي أوروبي في الناتو بهذا الصدد: «إن الولايات المتحدة لا تزال تؤدي دوراً لا غنى عنه لتوفير ردع ذي مصداقية».
0 تعليق