نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«ذات شتاء في سوكشو» للفرنسية إليزا دوسابان, اليوم الخميس 27 مارس 2025 09:01 مساءً
نشر بوساطة حسين الحربي في الرياض يوم 27 - 03 - 2025
الصقيع ألصق جفوننا بحافة المنظار المعدنية، إلى اليمين: المحيط، إلى اليسار: حاجز من الجبال، أمامنا الضباب، لا يمكننا أن نتوقّع أكثر في هذا الطقس. (صفحة 30) كان كل شيء مبالغًا فيه: كبير، بارد، فارغ. (صفحة 31) سيطرت درجة 27 تحت الصفر على المدينة. في الخارج تحت هجمة الصقيع، حاولت الأمواج المقاومة، لكنها كانت أثقل وأبطأ من أن تفعل، فتكسّرت قبل أن ترتطم بالشاطئ مهزومة. (صفحة 50) مترعة بالشتاء والأسماك، كانت سوكشو تنتظر، لا تفعل سوكشو سوى الانتظار، السيّاح، الزوارق، الرجال، عودة الربيع. (صفحة 66) كان الصمت أبرد من الصقيع الذي غمرنا قبل أسابيع. (صفحة 82) كل هذا الصقيع، هذا الجليد، كل هذا الصمت وهذه العزلة... في بقعة منسية بين الكوريّتين! من أين يأتي إذاً كل هذا الدفء الذي تمنحك إياه رواية "ذات شتاء في سوكشو" للكاتبة الفرنسية الكورية إليزا شوا دوسابان؟ لا شيء يحدث فعلاً في هذه الرواية القصيرة (122 صفحة)، الصادرة قبل أكثر من عام عن دار نوفل / هاشيت أنطوان. صحيح أن السرد فيها يتطوّر ببطء يشبه الحياة في سوكشو، لكنه مكثّف على نحو حميم وعميق، كما أن دوسابان أبدعت في تجسيد هذا الصمت وهذا الصقيع لغويًا، الحوارات مبتورة وكأنها تبوح بأكثر مما يقال، الجمل قصيرة مقطّعة وكأن البرد قصم ظهرها، إنه الشتاء، القارس والقارس إذاً. عزلة جامدة يسودها الهدوء أو الصمت، بالكاد يوجد غرباء في سوكشو، ثمة نزل متهالك تعمل فيه الراوية، شابة تقوم بكافة الأعمال: الغسيل، الترتيب، تسجيل الوافدين، على ندرتهم، التنظيف والطبخ. الراوية عالقة هنا، لكي لا تترك والدتها وحيدة، رغم العلاقة الملتبسة بينهما. الشابة، ابنة سائح فرنسي فتن بوالدتها واختفى، لهذا يتحدث إليها المحليون أحيانًا بالإنجليزية.. ما يزيد من عزلتها إمعاناً، أمها تريدها أن تتزوج من صديقها المولع بعمليات التجميل، أما هي فتعلّمت اللغة الفرنسية "كي أتحدث بلغة لا تفهمها أمي" (صفحة 61). ثم يأتي كيراند، رسام الكوميكس الفرنسي المشهور، من النورماندي إلى سوكشو بحثًا عن الإلهام، يأتي حاملًا معه بعض الحراك في هذه العزلة القاتلة. جذّاب كيراند، ولكنه قليل الكلام منغلق، يرفض تناول طعام الشابة، ما يجرح مشاعرها، ومع ذلك، فهو يفتنها، تحب مراقبته، وخاصة عندما يضرب بريشته على الورق، وعندما يطلب منها مرافقته في رحلة إلى الحدود، لا تستطيع رفض طلبه، يتبادلان شح الكلام، يطرحان أسئلة أيا منهما يريد لها أجوبة، لكن الإشارات بينهما تحكي أكثر مما يقال. هو الحزن الشفيف، الذي يمنح أحاديثهما نوستالجيا أو ميلانكوليا دافئة في صقيع سوكشو. جميلة (النورماندي).. ولكنها حزينة! تقول الشابة. يعارضها كيراند: النورماندي خاصتي لم تعد كذلك. تصر الشابة: ربما ولكنها مثل سوكشو. لن يعرف سوكشو مثلي، لا يمكن لشخص أن يدّعي معرفتها إن لم يولد فيها، إن لم يعش شتاءها، إن لم يتنشّق روائحها، إن لم يعش عزلتها. (صفحة 16) الأساطير (هي أيضًا) حزينة، تقول الشابة، يعارضها الرسام مجددًا: ليست كلها حزينة، لا. وتصر الفتاة: الأساطير التي تأتي من كوريا، بلى (صفحة 91). هكذا، مع كل حديث وكل نزهة، يتقارب الاثنان بخطوات حذرة مترددة، رغم الفجوة الكبيرة بين عالميهما، يلتقيان عند فكرة البحث عن بداية جديدة، كل بطريقته الخاصة. هنا، تروي لنا دوسابان، بأسلوب مرهف رقيق، قصة شخصين يبحثان عن ذاتيهما، إلا أنهما يغيّران بعضهما البعض.
ذات شتاء في سوكشو، التي تم تحويلها إلى فيلم عرض في مهرجان تورنتو للأفلام في العام 2024، رواية أشبه بقطعة فنية، جميلة فاتنة، خفيفة وهشة. هي رواية المشاعر، لا الأحداث. ربما من هنا يأتي كل هذا الدفء! جاء في نبذة الناشر: مكانٌ منسيٌّ بين الكوريّتين، صبيّة منحها والدٌ لا تعرفه الحياة ولم يمنحها اسمه، هو المنتمي إلى «هناك» تحلم به كلّ يوم في حياتها الرتيبة حيث تعمل، خلف مكتب الاستقبال في فندقٍ قديمٍ متهالك، سكينةٌ قاتلة في سوكشو، ونزيلٌ كسرها حين جاء يبحث عن خطوط رسماته في تلك البيئة المنسيّة. خلف البحر بنادق مصوّبة من أبراج المراقبة في كوريا الشمالية، وفي البحر أسماكٌ مثل الصبيّة، تسلّم نفسها للتيّار ولا تصل. النزيل آتٍ من ذلك ال«هناك» أيضًا، يحمل كلّ التباساته وغموضه، وورقًا يلوكه كلّما خانه الإلهام، وحبرًا يعجز عن تشكيل تضاريس امرأةٍ مستعصية عليه، رغم قوّة أضواء النيون الباهرة في البلدة المعتمة، ورائحة سوق الأسماك النفّاذة، وفحيح الفضول، تفصل بين الاثنين مسافةٌ ملغومةٌ من غير المباح، والأسئلة التي لا تطمح إلى أجوبة، مسافة ضبابيّة محمّلة بمشاعر متلاطمة لا تهتدي إلى شاطئ. ذات شتاءٍ في سوكشو، كان للصقيع معنًى آخر، وموسمٌ لا يشبه كلّ المواسم.. يذكر أن الكاتبة الكوريّة الفرنسية إليزا شوا دوسابان Elisa Shua DuSapin: ولدت في العام 1992 في سارلات لا كانيدا في فرنسا، وتقيم حاليًّا في سويسرا. نشرت حتى الآن ثلاث روايات كانت أولاها "ذات شتاءٍ في سوكشو" Hiver à Sokcho (2016) التي فازت بالعديد من الجوائز.
انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.
0 تعليق